إسماعيل الأصبهاني ( قوام السنة )

20

إعراب القرآن

والثالث : يحكى عن الكوفيين زعموا أنَّ النصب على إسقاط حرف الخفض ؛ كأنَّه قيل : ما بين بعوضة فما فوقها ، وحكوا أنّ العرب تقول : مطرنا ما زبالة فالثعلبية ، وله عشرون ما ناقة فجملاً ، وأنكر المبرد هذين الوجهين . وأجود هذه الأوجه الوجه الأول ؛ وذلك أنّ ( يضرب ) لمَّا صارت لضرب الأمثال صارت في معنى ( جعل ) فجاز أنّ تتعدى إلى مفعولين ، وإذا كانت كذلك كانت من جملة ما يدخل على المبتدأ والخبر ، هذا أقيس ما يُحمل عليه ، وإنما اخترته لأنني وجدت في الكتاب العزيز ما يدل عليه ؛ وذلك بأنني وجدت فيه قوله تعالى : ( إنما مثلُ الحياةِ الدنيا كماءٍ ) ، فمثل الحياة الدنيا : مبتدأ ، وكماء : الخبر ، كما تقول : إنما زيدٌ كعمرو ، ووجدت فيه ( واضربْ لهُم مثلَ الحياةِ الدُنيا كماء ) فأنت ترى كيف دخلت ( اضرب ) على المبتدأ والخبر فصار هذا بمنزلة قولك : ظننت زيدًا كعمرو . ويجوز الرفع في بعوضة من وجهين : أحدهما : أنّ تكون خبراً ، لمبتدأ محذوف يكون في صلة ( ما ) على أنّ تكون ( ما ) بمنزلة ( الذي ) ، فيكون التقدير : إنّ الله لا يستحيي أنّ يضرب مثلا ما هو بعوضة . أي : الذي هو بعوضة . والوجه الثاني : أنّ يكون على إضمار مبتدأ ، لا يكون صلة في ( ما ) ولا تكون ( ما ) بمعنى ( الذي ) كأنّه قال : إن الله لا يستحيي أنّ يضرب مثلا ما . قيل : ما هو ؟ قيل : بعوضةٌ ، أي : هو بعوضة ، كما تقول : مررت برجل زيد . وقد قيل : إنّ ( ما ) هاهنا يجوز أنّ تكون كافة للفعل . فيستأنف الكلام بعدها ، وهو على معنى المفعول ، قال الشاعر أَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ بعدما . . . أَفْنانُ رأْسِكِ كالثَّغامِ المخُلِس .